الشيخ محمد رشيد رضا
309
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البهيمة التي نشأتها وصفتها كذا فقوله « ما هي » لا يمكن حمله على طلب الماهية فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، فبهذا الطريق قلنا إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بانفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم « ماذا ينفقون » ليس هو طلب الماهية بل طلب المصرف فلهذا حسن هذا الجواب . اه وقيل إن السؤال كان عن الامرين - ما ينفق وأين ينفق كما في بعض الروايات فذكر في إيراده عنهم الأول وحذف الثاني للعلم به ودلالة الجواب عليه فإنه ذكر فيه الامرين وهو قوله تعالى قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ وهذا هو المنفق والخير هو المال وتقدم في تفسير ( 180 إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ ) ان الأكثرين قيدوه بالكثير ، ولكن قوله هنا من خير يعم القليل والكثير لدخول « من » التبعيضية عليه وتنكيره . وقال بعضهم ان التعبير عن المال بالخير يتضمن كونه حلالا فكأنه قال إن الانفاق والتصدق يكون من فضل المال الكثير الحلال الطيب وأما بيان المصرف فهو قوله فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قدم الوالدين لمكانتهما وفسروا الأقربين بالأولاد وأولادهم ولا شك أن أقرب الناس إلى المرء أولاده ان وجدوا ، وإلا كان أقربهم اليه بعد والديه اخوته ، وما اختير لفظ الأقربين هنا إلا لبيان أن العلة في التقديم القرابة فمن كان أقرب كان أحق بالتقديم . وكأن الذين حملوا لفظ الأقربين على الأولاد خاصة أرادوا جعل الآية للنفقه الواجبة في الفقه ، وهي تجب للوالدين والأولاد عند الحاجة بالاجماع ، والنفقة في الآية أعم ، وهؤلاء اليتامى والمساكين لا يجب على فرد معين من المكلفين الانفاق على يتيم أو مسكين معين منهم من حيث إنه يتيم أو مسكين ، ولكنهم أحق بالصدقة المفروضة والمندوبة بعد الأقربين ، فالآية عامة في النفقة وأحق الناس بها . ومن أغرب ما قيل فيها زعم بعضهم أنها منسوخة بآية المواريث كأنها اشتبهت عليهم بآية الوصية للوالدين والأقربين